أبي منصور الماتريدي

212

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كقوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ . . . الآية [ الأنفال : 30 ] ، ليس على العزيمة على واحد ، ولكن على المشورة فيما بينهم ، يدل على ذلك قوله : يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أنهم أرادوا أن يخلو وجه أبيهم لهم ، لا قتله ، إنما أرادوا غيبته عنه . وقال بعضهم : يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ . أي : يقبل عليكم أبوكم بوجهه . وقال بعضهم : أي : يفرغ لكم من الشغل بيوسف « 1 » . وقوله - عزّ وجل - : وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ . يحتمل : صالِحِينَ ، أي : تائبين . وقال بعضهم : تكونوا صالحين عند أبيكم من بعده « 2 » . وقال بعضهم : يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف « 3 » . وجائز أن تكونوا قوما صالحين في الآخرة ، وقالوا : إنهم تابوا قبل أن يزلوا ويعصوا . وقوله - عزّ وجل - : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ . قال أبو عوسجة : يعني : في قعر البئر ، والغيابة : ما يغيبه ويواريه ، والجب : البئر ، والجباب جمع . وقال أبو عبيدة « 4 » : الغيابة : كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة . وقوله - عزّ وجل - : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ . أي : يرفعه بعض السيارة ؛ ولذلك يقال للطائر : يلتقط الحبّ ، ويلقط : أي : يرفع . إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ : إن كنتم لا بد فاعلين أن تغيبوه عنه . وأما قول أهل التأويل إن قوله : لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ قاله فلان أو فلان ، فذلك مما لا نعرفه ، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ، والله أعلم . وقال أبو عوسجة « 5 » : السيارة أصلها من السير ، هو مثل المسافر ، وهي القافلة ؛ يعني : العير . وقيل : الجب : الركية التي لم تطو بالحجارة ، فإذا طويت فليس بجب « 6 » .

--> ( 1 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 152 ) والبغوي ( 2 / 412 ) . ( 2 ) في ب : بعد . ( 3 ) ذكره البغوي ( 2 / 411 ) ، وبمعناه ذكره الرازي ( 18 / 76 ) . ( 4 ) ينظر : مجاز القرآن ( 1 / 302 ) . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 154 ) ( 18821 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 13 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس . ( 6 ) انظر ابن جرير ( 7 / 154 ) والبغوي ( 2 / 412 ) .